تبادل المعلومات الائتمانية ووصول المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل

مراجعة للأدبيات النظرية والتطبيقية

صلاح الدين مازن العجلة 7 دقيقة قراءة

ما تتفق عليه الأدبيات وما تختلف فيه: خفض التعثّر وتحسين أداء القروض نتيجة متكرّرة عبر المناهج والبيئات. أمّا أثر مركزية المخاطر، وموضع ظهور الأثر، ومن يستفيد منه، فمواضع خلاف لها أسباب منهجية يمكن تحديدها.

السؤال

تواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الدول النامية قيودًا تمويلية أشدّ ممّا تواجهه المنشآت الكبيرة، ويُرجع جانب واسع من الأدبيات هذه القيود إلى أنّ المقرض لا يملك ما يكفي من المعلومات للحكم على جدارة المنشأة الائتمانية.

وفي المنطقة العربية وجد روشا وزملاؤه (2011)، في المسح المشترك بين اتحاد المصارف العربية والبنك الدولي، أنّ نحو خُمس المنشآت الصغيرة والمتوسطة فقط لديها قرض أو خط ائتمان مصرفي، وهي أدنى نسبة بين مناطق العالم النامي، وأنّ حصّة هذه المنشآت لم تتجاوز في المتوسط 8٪ من إجمالي الإقراض المصرفي.

تعرض هذه المراجعة أصول أدبيات تبادل المعلومات الائتمانية النظرية، وأدلّتها التطبيقية عبر الدول وعلى مستوى المنشأة والعقد، والأدلّة السببية من التجارب الطبيعية، وأدبيات تصميم هذه الأنظمة، مع السياق المؤسسي العربي والخليجي.

الإطار النظري

أرسى باغانو وجابيلي (1993) النموذج المؤسِّس: تبادل المعلومات يخفّف الاختيار المعاكس، لكن أثره في الحجم الكلي للإقراض غير محسوم نظريًا، لأنه قد يُدخل إلى السوق مقترضين آمنين كانوا مستبعدين ويُخرج منه مقترضين خطرين كانوا يحصلون على التمويل.

وأضاف باديلا وباغانو (1997، 2000) قناة الخطر الأخلاقي: المصرف الذي ينفرد بمعرفة عميله يستطيع احتجازه وانتزاع جزء من أرباحه، فيضعف حافز المقترض إلى بذل الجهد. وحين يتبادل المصرف المعلومات يتنازل طوعًا عن جزء من هذا الريع المعلوماتي.

وبيّن بيناردو وباغانو وبيكولو (2015) أنّ المقترض المتعامل مع أكثر من مصرف قد يراكم ديونًا تتجاوز قدرته على السداد، لأنّ كل مصرف لا يرى ما اقترضه من غيره.

وتخلص النظرية في مجملها إلى أنّ تبادل المعلومات يحسّن الانضباط في السداد وجودة الفرز على نحو شبه مؤكّد، في حين يبقى أثره في حجم الائتمان وتوزيعه مسألة تطبيقية تتوقّف على خصائص السوق وتصميم النظام.

الأدلّة التطبيقية

عبر الدول: وجد جابيلي وباغانو (2002) على 43 دولة أنّ الإقراض أعلى والتعثّر أدنى حيث يترسّخ تبادل المعلومات. ووسّع جانكوف وماكليش وشلايفر (2007) العينة إلى 129 دولة، فوجدوا أنّ المعلومات أهمّ نسبيًا في الدول الفقيرة وحقوق الدائنين أهمّ نسبيًا في الدول الغنية، وأنّ إنشاء الأنظمة يسبق ارتفاع الائتمان الخاص. غير أنّ هذه الأدلّة ارتباطية في الأساس، لأنّ إنشاء الأنظمة يتزامن غالبًا مع إصلاحات أخرى يصعب فصل أثرها.

على مستوى المنشأة: وجد لوف وميلينكو (2003) أنّ مكتب الاستعلام الخاص يرتبط بقيود تمويلية أقل، وأنّ مركزية المخاطر لا ترتبط بأثر معنوي. ووجد براون وجابيلي وباغانو (2009) أنّ الارتباط أقوى لدى المنشآت المعتمة وفي البيئات القانونية الضعيفة، وأنّ تبادل المعلومات والشفافية المحاسبية يقومان مقام بعضهما.

الأدلّة السببية: أوسعها دراسة مارتينيز بيريا وسينغ (2014) على 63 دولة وأكثر من 75 ألف منشأة بين 2002 و2013، بتصميم الفروق في الفروق على توقيت الإصلاحات. وجدتا أنّ إدخال مكتب استعلام خاص يرفع احتمال الحصول على التمويل، ويخفض الفائدة، ويطيل الآجال، وأنّ الأثر أكبر لدى المنشآت الأصغر والأحدث، في حين لم تُظهر إصلاحات مركزية المخاطر أثرًا متينًا.

وقدّر فوسو وزملاؤه (2023) على 28 دولة نامية أنّ متوسط كلفة الدين ينخفض بين 3.2 و3.8 نقطة مئوية بعد إدخال المكاتب.

وفي الأرجنتين بيّن هيرتزبرغ وليبرتي وبارافيسيني (2011) أنّ المصرف الذي يعلم أنّ تقييماته السلبية ستصبح علنية يخفض إقراضه وهو لم يعلم عن المقترض جديدًا، تحسّبًا لرد فعل المقرضين الآخرين. ووجد جيانيتي وليبرتي وستورجس (2017) أنّ المصارف خفّضت تصنيفها الداخلي لمقترضيها الجيدين قبيل اضطرارها إلى مشاركة التصنيفات، حمايةً لريعها المعلوماتي.

التمويل الأصغر قدّم أوضح فصل بين القنوات: استغلّ دي جانفري وماكنتوش وسادوليه (2010) إدخال الاستعلام تدريجيًا عبر فروع مؤسسة غواتيمالية دون إعلام المقترضين ثم إعلامهم لاحقًا، ففصلوا أثر الفرز عن أثر الحوافز، ووجدوا أنّ أثر الفرز ظهر أولًا وكان أكبر.

السياق العربي والخليجي

تتباين الأنظمة العربية في نشأتها وملكيتها تباينًا يمنع معاملتها فئةً واحدة:

الدولةالجهةالنشأة والتشغيلالطبيعة
قطرمركز قطر للمعلومات الائتمانيةقرار 2008، تشغيل مارس 2011عام تحت إشراف المصرف المركزي
السعوديةSIMAHتأسيس 2002، تشغيل 2004خاص مملوك للمصارف
الإماراتالاتحاد للمعلومات الائتمانيةقانون 2010، تشغيل 2014عام مملوك للحكومة الاتحادية
الكويتCi-Netتأسيس 2001، تشغيل 2003مختلط بين المركزي والمصارف
عُمانملاءةمرسوم سلطاني 2019عام تحت إشراف البنك المركزي
البحرينBENEFITقائم منذ 2004 على الأقلخاص مملوك للمصارف
مصرI-Scoreتأسيس 2005، ترخيص 2008خاص مملوك للمصارف وجهاز تنمية المشروعات
الأردنCRIF Jordanقانون 2010، تشغيل 2016خاص
المغربمركزية المخاطر ومكتب مفوّض2009مركزية مخاطر مع مكتب خاص مفوّض

وخلص فوجيو وندوي وسيدورينكو (2020) في ورقة عمل لصندوق النقد الدولي إلى أنّ دول المنطقة تسجّل أدنى مستويات الشمول المالي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في العالم.

مواضع التوافق

  1. خفض التعثّر وتحسين أداء القروض: أثبت نتائج هذه الأدبيات، تكرّرت عبر مناهج وبيئات مختلفة.
  2. المستفيد الأكبر هو المقترض المعتم معلوماتيًا: المنشأة الصغيرة الحديثة بلا قوائم مدقّقة ولا تاريخ ائتماني.
  3. الأثر أكبر حيث تضعف حماية الدائنين والإنفاذ: فالمعلومات تقوم جزئيًا مقام الضمانات العينية.
  4. اتّساع التغطية وعمق البيانات يحدّدان قوة الأثر أكثر من مجرّد وجود الجهة.
  5. للمعلومات السلبية أثر كبير قابل للقياس في الحصول على الائتمان.

مواضع الاختلاف، وأسبابها

أثر مركزية المخاطر. ثلاث دراسات لا تجد لها أثرًا متينًا، بينما يجد جابيلي وباغانو أثرًا مقاربًا للمكاتب الخاصة. والسبب ثلاثي: كثير من أنظمة مركزية المخاطر يضع حدًّا أدنى مرتفعًا للقرض المبلَّغ عنه فتبقى قروض المنشآت الصغيرة خارجها، فيُقاس أثر نظام لا تظهر فيه هذه المنشآت أصلًا؛ والمتغيّر التابع يختلف بين الدراسات؛ والمكاتب الخاصة تنشأ في بيئات مالية أنضج فيختلط أثرها بأثر البيئة.

الإقراض القائم على العلاقة. يشير ساذرلاند إلى أنّ التبادل يخفض الريع المعلوماتي فتقصر العلاقات، بينما تُظهر نتائج ليبرتي وسيرو وفيغ أنّ المصرف فوّض مزيدًا من القرارات لموظفي الائتمان. ويُرجَّح أنّ الفارق يعود إلى بنية السوق: في السوق المركّز يغلب أثر فقدان الريع، وفي التنافسي يغلب مكسب الفرز.

موضع ظهور الأثر. في بعض الدراسات يظهر في الوصول، وفي أخرى في الكلفة، وفي ثالثة في أداء القروض وحده. ويعكس ذلك اختلاف البيانات: مسوح المنشآت تقيس الوصول كما تعلنه المنشأة، وبيانات المصرف الواحد ترى القروض الممنوحة دون الطلبات المرفوضة.

من يستفيد. المنشآت الأصغر تستفيد أكثر في معظم الدراسات، لكن ليبرتي وستورجس وساذرلاند وجدوا التحسّن مقتصرًا على المقترضين ذوي الجودة العالية، لأنّ المعلومات تكشف الجيدة والرديئة معًا.

الفجوات البحثية

  1. الجغرافيا. لم تعثر هذه المراجعة على دراسة سببية منشورة عن أثر إدخال نظام استعلام أو إصلاحه في دولة عربية بعينها على مستوى المنشأة أو القرض.
  2. السياق الخليجي. أنظمة الخليج حديثة نسبيًا ومتنوّعة الملكية، ولم تُدرس آثارها في إقراض المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
  3. الضمانات والمعلومات معًا. كلاهما يعالج جهل المقرض بالمقترض، ولم تُختبر تطبيقيًا فرضية أنّ أثر الضمان أكبر لدى قصيري السجل وأنه يتراجع مع تراكمه.
  4. المعلومات الإيجابية والمصادر غير المصرفية. لم يُدرس أثر إدراج بيانات المرافق والاتصالات والفواتير في الأنظمة العربية.
  5. المنهج. كثير من دراسات الفروق في الفروق ذات التوقيت المتدرّج سبق ظهور المقدّرات الحديثة التي تعالج تحيّز هذا التصميم.

انعكاسات على تصميم السياسات

  • قيمة نظام الاستعلام للمنشآت الصغيرة تتوقّف على تضمينه المعلومات الإيجابية ووضع حدّ أدنى منخفض للقرض المبلَّغ عنه، فالمنشأة الملتزمة لا تستفيد من نظام يرى تعثّرها ولا يرى انتظامها.
  • لتسجيل التعثّر كلفة تمتدّ إلى ما بعد سوق الائتمان، فتحتاج مدد الاحتفاظ بالمعلومات السلبية إلى ضبط يوازن بين الانضباط وفرصة البدء من جديد.
  • المصارف قد تتصرّف استراتيجيًا قبيل إلزامها بالإفصاح، فتحتاج الجهة المشرفة إلى مراقبة التصنيفات حول مواعيد توسيع الأنظمة.
  • الضمانات العامة تعالج نقص الضمانات العينية، والمعلومات تعالج قصر السجل، والجمع بينهما يتيح لبرامج الضمان أن تخفض نسبة تغطيتها تدريجيًا كلما تراكم سجل المنشأة.

حدود البيانات

تعتمد المقارنات بين الدول على مؤشّرات تقرير ممارسة أنشطة الأعمال، وقد توقّف إصداره فصارت سلسلة تاريخية تنتهي نحو 2019، وهي تقيس القواعد المكتوبة أكثر ممّا تقيس الممارسة الفعلية. ومسوح المنشآت مقاطع عرضية متكرّرة لا تتابع المنشأة نفسها في الغالب، ومتغيّراتها التمويلية ممّا تعلنه المنشأة عن نفسها. أمّا أقوى الدراسات السببية فتعتمد بيانات إدارية لا تُتاح إلا بشراكة مع المصارف المركزية أو المؤسسات المالية.

المراجع

  1. Pagano, M., & Jappelli, T. (1993). Information sharing in credit markets. The Journal of Finance, 48(5).
  2. Padilla, A. J., & Pagano, M. (1997; 2000). Endogenous communication among lenders; Sharing default information as a borrower discipline device.
  3. Djankov, S., McLiesh, C., & Shleifer, A. (2007). Private credit in 129 countries. Journal of Financial Economics, 84(2).
  4. Love, I., & Mylenko, N. (2003). Credit reporting and financing constraints. World Bank Policy Research Working Paper.
  5. Martínez Pería, M. S., & Singh, S. (2014). The impact of credit information sharing reforms on firm financing. World Bank Policy Research Working Paper.
  6. Rocha, R., Farazi, S., Khouri, R., & Pearce, D. (2011). The status of bank lending to SMEs in the Middle East and North Africa region. World Bank / Union of Arab Banks.
  7. IFC & Arab Monetary Fund (2015). Arab Credit Reporting Guide.
تبادل المعلومات الائتمانيةتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطةعدم تماثل المعلوماتمكاتب الاستعلام الائتمانيمركزية المخاطرالدول العربية

← كل الأوراق البحثية

النشرة البريدية

أحدث الأبحاث والتحليلات إلى بريدك.