سوء توزيع الموارد: هل دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يضرّ الإنتاجية؟
قراءة نقدية في أدبيات Hsieh & Klenow وRestuccia & Rogerson
الإجابة المختصرة أولًا
نعم، قد يضرّ دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة (SMEs) الإنتاجية الكلية إذا صُمّم بوصفه دعمًا عامًا ودائمًا للشركات الصغيرة لمجرد صغر حجمها، لأنه قد يُبقي الموارد — رأس المال والعمالة والأرض والائتمان — داخل منشآت منخفضة الإنتاجية، ويمنع انتقالها إلى منشآت أكثر كفاءة. لكن ليس كل دعم لهذه المنشآت ضارًا؛ فقد يكون مبررًا ورافعًا للإنتاجية إذا عالج فشلًا سوقيًا محددًا، كقيود الائتمان، أو نقص المعلومات، أو فجوات المهارات الإدارية، أو تكاليف التبني التكنولوجي، أو محدودية الوصول إلى الأسواق.
ما المقصود بسوء توزيع الموارد؟
تتمثّل الفكرة المركزية في أدبيات "سوء توزيع الموارد" (Resource Misallocation) في أن الاقتصاد لا يخسر الإنتاجية فقط عندما تكون التكنولوجيا ضعيفة، بل يخسرها أيضًا حين لا تُخصَّص الموارد للشركات الأكثر إنتاجية. في حالة الكفاءة التخصيصية، ينبغي أن تتجه الموارد نحو الوحدات الأعلى إنتاجية حتى تتقارب المنتجات الحدية لعوامل الإنتاج بين المنتجين داخل القطاع نفسه. أما إذا وُجدت ضرائب، أو إعانات، أو قيود ائتمانية، أو احتكارات، أو تنظيمات مرتبطة بالحجم، أو حماية سياسية لبعض المنشآت، فإن المنتجات الحدية تتباعد، ويصبح هناك رأس مال أو عمالة "محبوسة" في منشآت لا تحقق أعلى عائد اجتماعي.
يبيّن Hsieh وKlenow أن فجوات المنتجات الحدية لرأس المال والعمل بين المنشآت داخل الصناعات قد تعكس تشوّهات تخصيصية، وأن الانتقال إلى مستوى كفاءة شبيه بالولايات المتحدة كان يمكن أن يرفع إنتاجية التصنيع بنحو 25–40% في الصين و50–60% في الهند وفق تقديراتهما المبكرة. في نموذجهما، يُميَّز بين TFPQ (الإنتاجية الفيزيائية الحقيقية للمنشأة، أي قدرتها التقنية على تحويل المدخلات لمخرجات) وTFPR (إنتاجية الإيراد، التي ترتفع حين تكون المنشأة مقيّدة أو تواجه تشوّهًا يمنعها من التوسع). الفكرة الحاسمة أن المنشآت الأعلى إنتاجية ينبغي أن تكون أكبر حجمًا إذا لم تواجه قيودًا؛ فإذا كانت منشأة عالية الإنتاجية صغيرة الحجم نسبيًا، فقد يعني ذلك أنها تواجه ضريبة ضمنية أو قيدًا ائتمانيًا أو تنظيميًا يمنع توسعها.
ما علاقة ذلك بدعم SMEs؟
يصبح دعم SMEs إشكاليًا حين يُبنى على فرضية أن "الصغر" في حد ذاته يستحق الدعم. من منظور الإنتاجية الكلية، حجم المنشأة ليس هدفًا نهائيًا؛ المهم هو: هل المنشأة منتجة؟ هل لديها إمكانات نمو؟ هل تواجه فشلًا سوقيًا يمنعها من الوصول لحجمها الكفء؟ هنا تظهر المفارقة: كثير من برامج دعم SMEs تُبرَّر لأنها تولّد وظائف وتزيد التنوع الاقتصادي وتدعم ريادة الأعمال، لكن إذا حافظ الدعم على عدد كبير من المنشآت الصغيرة منخفضة الإنتاجية، فقد يرفع التشغيل قصير الأجل على حساب الإنتاجية والأجور والنمو طويل الأجل. وتشير وثيقة إرشادية للبنك الدولي حول تدخلات دعم SMEs إلى أن بعض الأدوات الشائعة لا تحسّن كفاءة الشركات، وقد تولّد سوء تخصيص يخفض الإنتاجية الكلية — مع التأكيد في المقابل على وجود أدوات فعّالة إذا استهدفت الإنتاجية والنمو وفشل السوق المحدد.
أربع آليات يضرّ بها الدعم الإنتاجية
دعم البقاء بدل دعم النمو: إذا صُمّم الدعم لحماية المنشآت الصغيرة من الخروج، فقد يُبقي منشآت منخفضة الإنتاجية داخل السوق. الخروج الاقتصادي ليس دائمًا فشلًا اجتماعيًا؛ في حالات كثيرة هو آلية ضرورية لتحرير العمالة ورأس المال لصالح منشآت أكثر إنتاجية. المشكلة تظهر حين يصبح الدعم أداة لإطالة عمر منشآت غير قابلة للنمو. وفقًا لمنطق Restuccia وRogerson، يمكن للتشوّهات التي تجعل بعض المنتجين يواجهون أسعارًا مختلفة للمدخلات أو المخرجات أن تخفض الناتج والإنتاجية الكلية بمعدلات قد تصل في نموذجهما إلى 30–50%.
تشوّهات الحجم: كثير من برامج دعم SMEs يمنح مزايا للشركات دون عتبة معينة من العمالة أو الإيرادات — إعفاءات ضريبية، قروض مدعومة، رسوم أقل، متطلبات تنظيمية أخف. هذه الأدوات تخلق حافزًا للشركات على البقاء صغيرة أو تجزئة نشاطها قانونيًا لتفادي فقدان الامتيازات، ما يضرّ حتى الشركات الصغيرة ذات الإمكانات العالية التي تتردّد في التوسّع خشية فقدان الدعم. وتبيّن دراسة Guner وVentura وXu أن الأدوات المعتمِدة على الحجم والتي تقلّل متوسط حجم المنشآت بنسبة 20% قد تخفض الناتج بما يصل إلى 8.1% وتخفض الناتج لكل منشأة بما يصل إلى 25.6%، مع زيادة عدد المنشآت.
دعم الأقل إنتاجية على حساب الأعلى إنتاجية: المشكلة الأخطر ليست الدعم في ذاته، بل ارتباطه عكسيًا بالإنتاجية. إذا حصلت المنشآت الأقل إنتاجية على تمويل أسهل أو إعفاءات أكبر من المنشآت الأعلى إنتاجية، يصبح الدعم ضريبة ضمنية على الكفاءة وإعانة ضمنية لعدم الكفاءة. يؤكد Restuccia وRogerson أن سوء التخصيص يصبح كبير الأثر حين تُضرَب المنشآت الأعلى إنتاجية بقيود أو ضرائب ضمنية، بينما تحصل الأقل إنتاجية على حماية أو دعم — أي أن الخطر ليس في وجود تشتّت عشوائي فقط، بل في أن تكون التشوّهات مرتبطة سلبًا بالإنتاجية تحديدًا.
قروض مدعومة دون فرز إنتاجي: الدعم الائتماني قد يكون ضروريًا حين تواجه SMEs قيودًا تمويلية حقيقية بسبب نقص الضمانات أو غياب السجل الائتماني، لكنه يصبح مضرًا إذا مُنح بناءً على الحجم أو العلاقات أو القطاع دون تقييم الإنتاجية أو القدرة على النمو. في هذه الحالة قد يؤدي الائتمان المدعوم لازدحام مالي: شركات ضعيفة تحصل على رأس مال رخيص، بينما شركات أكثر إنتاجية لا تحصل على تمويل كافٍ — ما يرفع تشتّت المنتجات الحدية لرأس المال ويخفض الإنتاجية الكلية.
متى يكون الدعم مبررًا؟
لا تعني أدبيات سوء التخصيص رفض دعم SMEs، بل تدعو لإعادة تصميمه. يكون الدعم مبررًا حين يحقق شرطين: وجود فشل سوقي واضح، وتصميم الأداة بحيث تدفع المنشآت نحو الإنتاجية والنمو لا نحو الاعتماد الدائم عليها.
| نوع التدخل | متى يكون مبررًا؟ | أثره المتوقع على الإنتاجية |
|---|---|---|
| ضمانات ائتمانية جزئية | عند نقص ضمانات أو معلومات ائتمانية | تحسين وصول الشركات المنتجة للتمويل |
| دعم التحول الرقمي | عند ارتفاع تكاليف تبني التكنولوجيا | رفع إنتاجية العمل والإدارة |
| خدمات تطوير الأعمال | عند وجود فجوات إدارية ومحاسبية وتسويقية | تحسين الكفاءة الداخلية للشركات |
| دعم التصدير | عند ارتفاع تكاليف دخول الأسواق الخارجية | توسيع السوق وتحفيز التعلّم |
| الحاضنات والمسرّعات | للشركات الابتكارية عالية النمو | زيادة احتمالات النمو والابتكار |
| إصلاح المشتريات الحكومية | إذا فُتح المجال تنافسيًا للشركات الكفؤة | خلق طلب منظّم دون حماية غير منتجة |
القاعدة هنا: ادعم القيد، لا الحجم. لا تدعم الشركة لأنها صغيرة، بل لأنها منتجة أو واعدة وتواجه قيدًا قابلًا للتصحيح.
هل المشكلة في SMEs أم في تصميم الدعم؟
ينبغي التمييز بين ثلاث فئات من SMEs، لكلٍّ منها التعامل الأنسب:
| الفئة | الوصف | التعامل الأنسب |
|---|---|---|
| منشآت معيشية منخفضة الإنتاجية | تعمل للبقاء وتوليد دخل محدود | دعم اجتماعي أو انتقال مهني، لا دعم إنتاجي مفتوح |
| منشآت مستقرة متوسطة الكفاءة | قادرة على تحسين الأداء لكنها ليست عالية النمو | دعم مشروط بتحسين الإنتاجية والإدارة |
| منشآت عالية النمو | لديها ابتكار وطلب متزايد وقدرة على التوسّع | أولوية في التمويل والأسواق والتكنولوجيا والتصدير |
التصميم الضعيف يتعامل مع هذه الفئات الثلاث كأنها واحدة. أما التصميم الجيد فيفرّق بين دعم اجتماعي يستهدف الدخل، ودعم إنتاجي يستهدف النمو، ودعم ابتكاري يستهدف الشركات ذات الإمكانات العالية.
دلالات لتصميم برامج الدعم في الاقتصادات النامية والخليجية
بالنسبة للاقتصادات الساعية للتنويع الاقتصادي، ومنها اقتصادات الخليج، قد يكون دعم SMEs أداة مهمة لتوسيع القاعدة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على القطاعات الريعية. لكن الخطر أن يتحول الدعم لمنظومة امتيازات دائمة لشركات صغيرة غير قابلة للتوسّع. لذلك، ينبغي أن يقوم تصميم دعم SMEs على المبادئ الآتية:
- الانتقال من دعم الحجم إلى دعم الإنتاجية: معيار الاستحقاق لا ينبغي أن يكون عدد العمال أو حجم الإيرادات فقط، بل مؤشرات كنمو القيمة المضافة، والإنتاجية لكل عامل، والتبنّي التكنولوجي، والقدرة التصديرية، والحوكمة المالية.
- ربط الدعم بمؤشرات أداء واضحة: كزيادة المبيعات الحقيقية، والتوظيف المنتج، ونمو الأجور، ودخول أسواق جديدة، أو الحصول على شهادات جودة.
- تجنّب عتبات حجمية حادة: لأنها تخلق حافزًا للبقاء دون حجم معين؛ الأفضل دعم متناقص تدريجيًا بدل الانقطاع المفاجئ.
- السماح بالخروج وإعادة التخصيص: لا ينبغي منع خروج الشركات غير القابلة للاستمرار؛ الأفضل أن تُصاحب آليات الخروج برامج تدريب وإعادة توظيف.
- استهداف الشركات ذات الإمكانات العالية: ليس كل مشروع صغير مشروعًا تنمويًا؛ الأثر الأكبر على الإنتاجية يأتي غالبًا من الشركات القادرة على التوسّع والابتكار.
- تقييم الأثر تجريبيًا: باستخدام أساليب كـDifference-in-Differences أو Regression Discontinuity أو التجارب العشوائية المحكَّمة حيث أمكن، لقياس ما إذا كان الدعم يرفع الإنتاجية أم يطيل فقط بقاء المنشآت.
إطار لاختبار ما إذا كان الدعم يضرّ الإنتاجية
يمكن لأي جهة داعمة أو باحث اختبار أثر الدعم عبر الأسئلة التالية:
| سؤال التقييم | المؤشر المقترح | التفسير |
|---|---|---|
| هل تذهب الموارد للشركات الأكثر إنتاجية؟ | العلاقة بين الدعم وTFPQ/إنتاجية العمل | علاقة موجبة تعني تخصيصًا أفضل |
| هل يمنع الدعم الشركات من التوسّع؟ | تكدّس الشركات قرب عتبة الحجم | دليل على تشوّه حجمي |
| هل يزيد الدعم البقاء فقط؟ | معدلات البقاء دون نمو إنتاجية | مؤشر على دعم غير منتج |
| هل ترتفع المنتجات الحدية لدى الشركات المدعومة؟ | MRPK/MRPL أو TFPR | ارتفاعها قد يعني أن الشركات ما زالت مقيَّدة |
| هل يرفع الدعم القيمة المضافة؟ | القيمة المضافة لكل عامل | الأهم من عدد الوظائف الخام |
| هل يؤدي الدعم لخروج أقل للشركات الضعيفة؟ | معدل الخروج حسب الإنتاجية | بقاء الشركات الأدنى إنتاجية قد يشير لسوء تخصيص |
الخلاصة
دعم SMEs لا يضرّ الإنتاجية بالضرورة، لكنه قد يفعل ذلك حين يتحول لحماية حجمية أو دعم دائم غير مشروط بالكفاءة. جوهر المسألة ليس "هل ندعم SMEs؟"، بل "أي SMEs ندعم، ولماذا، وبأي شروط، وبأي أفق زمني؟" تعلّمنا أدبيات Hsieh وKlenow وRestuccia وRogerson أن الإنتاجية الكلية لا تعتمد فقط على إنتاجية كل منشأة منفردة، بل على كيفية توزيع الموارد بينها. فإذا مُنح رأس المال والعمل والامتيازات لمنشآت أقل إنتاجية، تنخفض الإنتاجية الكلية حتى لو بدا ظاهريًا أن ذلك يدعم ريادة الأعمال والتوظيف. أما إذا صُمّم الدعم لمعالجة قيود محددة تمنع الشركات المنتجة من النمو، فقد يصبح دعم SMEs أداة لرفع الإنتاجية، لا لإضعافها.
المراجع (بصيغة APA 7)
Guner, N., Ventura, G., & Xu, Y. (2008). Macroeconomic implications of size-dependent policies. Review of Economic Dynamics, 11(4), 721–744. https://doi.org/10.1016/j.red.2008.01.005
Hsieh, C.-T., & Klenow, P. J. (2009). Misallocation and manufacturing TFP in China and India. The Quarterly Journal of Economics, 124(4), 1403–1448. https://doi.org/10.1162/qjec.2009.124.4.1403
Restuccia, D., & Rogerson, R. (2008). Policy distortions and aggregate productivity with heterogeneous establishments. Review of Economic Dynamics, 11(4), 707–720. https://doi.org/10.1016/j.red.2008.05.002
Restuccia, D., & Rogerson, R. (2013). Misallocation and productivity. Review of Economic Dynamics, 16(1), 1–10. https://doi.org/10.1016/j.red.2012.11.003
Restuccia, D., & Rogerson, R. (2017). The causes and costs of misallocation. Journal of Economic Perspectives, 31(3), 151–174. https://doi.org/10.1257/jep.31.3.151
World Bank. (2021). Strengthening World Bank SME-support interventions: Operational guidance document. World Bank.
النشرة البريدية
أحدث الأبحاث والتحليلات إلى بريدك.