المنشآت الصغيرة والمتوسطة: العمود الفقري للاقتصاد والمجتمع والدولة

تحليل شامل على ثلاثة مستويات: العالمي، والعربي، ودول الخليج

صلاح الدين مازن العجلة 10 دقيقة قراءة

لماذا نهتم بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة؟

تمثّل المنشآت الصغيرة والمتوسطة نحو 90% من إجمالي الأعمال عالميًا، وتوفّر ما يقارب 70% من فرص العمل، وتُسهم بنحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي العالم العربي، ترتفع هذه النسب لتصل إلى 96-97% من إجمالي المنشآت، مع إسهام يصل إلى 40% من الناتج المحلي (المنتدى الاقتصادي العالمي، صندوق النقد الدولي). هي المحرّك الرئيسي لخلق الوظائف، وحاضنة الابتكار، والمدخل الأساسي للمرأة والشباب والفئات الهشة إلى الاقتصاد الرسمي، كما تشكّل ركيزة مركزية في استراتيجيات التنويع الاقتصادي كرؤية السعودية 2030 ورؤية قطر الوطنية 2030.

لكن يبقى الوصول إلى التمويل العائق الأكبر أمامها: الفجوة التمويلية للمنشآت الصغيرة في الأسواق الناشئة بلغت 5.7 تريليون دولار — نحو 19% من ناتجها المحلي — بينما تسجّل منطقة العالم العربي أدنى معدلات وصول إلى التمويل المصرفي عالميًا، إذ لا يتجاوز 7% من إجمالي الإقراض (المؤسسة الدولية للتمويل IFC، صندوق النقد الدولي).

أبرز الأرقام العالمية: 90% من إجمالي منشآت الأعمال، 70% من فرص العمل الرسمية، 50% من الناتج المحلي الإجمالي، نحو 400 مليون منشأة صغيرة ومتوسطة حول العالم، فجوة تمويلية بقيمة 5.7 تريليون دولار في الأسواق الناشئة، و97% من منشآت القطاع الخاص في قطر تحديدًا.

الأثر على الاقتصاد المحلي

تُفيد بيانات البنك الدولي بأن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تمثّل أكثر من 95% من المنشآت المسجَّلة حول العالم، وتوفّر أكثر من 50% من فرص العمل، وتُسهم بما يزيد على 35% من الناتج المحلي الإجمالي في كثير من الأسواق الناشئة — وترتفع هذه النسبة في الدول المتقدّمة لتتراوح بين 50% و60%. في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، توفّر هذه المنشآت نحو ثلثي إجمالي التوظيف الرسمي؛ وبناءً على مسح شمل 50 ألف منشأة في 104 دول، وجد البنك الدولي أنها مسؤولة عن قرابة ثلثي إجمالي فرص العمل، وأن كل مليون دولار يُضخّ في تمويلها بالدول النامية يرتبط في المتوسط بخلق 16 فرصة عمل جديدة.

تلفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن هذه المنشآت لا تزال تحتل مكانة محورية في النسيج الاقتصادي العالمي، فهي توفّر الجزء الأكبر من فرص العمل في القطاع الخاص وتُحرّك عجلة الابتكار في معظم دول العالم (OECD، 2025).

جانب أقل شهرة يستحق الإبراز: خلق الوظائف يتركّز في شريحة صغيرة من المنشآت سريعة النمو — يُطلَق عليها أحيانًا "الغزلان" — إذ تُشير البيانات إلى أن 5-10% فقط منها تُصنَّف عالية النمو، لكنها تُسهم بما بين 40% و45% من صافي الوظائف الجديدة. وتُقدّر منظمة OECD أن هذه المنشآت "الاستراتيجية المتوسّعة" تتميّز بإنتاجية تفوق المتوسط بنحو 20% قبل التوسّع، وبنحو 35% بعد ثلاث سنوات منه. كما تمتلك المنشآت الصغيرة قدرة فريدة على التكيّف بفضل قربها من السوق وقِصر سلسلة اتخاذ القرار فيها، ما يمنحها مرونة ابتكارية يصعب على المؤسسات الكبرى منافستها فيها، ويجعلها ركيزة استراتيجية قصوى لدول الخليج الساعية لبناء اقتصادات أكثر تنوّعًا ومناعة.

الأثر على المجتمع

تؤكّد الأمم المتحدة أن المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة تمثّل العمود الفقري للمجتمعات في كل مكان، لإسهامها الحيوي في الاقتصادات المحلية ودورها في دعم سبل كسب العيش، لا سيّما بين أصحاب الدخل المحدود والمرأة والشباب والفئات التي تعاني من الهشاشة الاجتماعية. ويلاحظ البنك الدولي أن الدول ذات معدلات ريادة الأعمال الأعلى تشهد نموًا أكبر وخلقًا أوسع لفرص العمل — وهما المساران الرئيسيان اللذان يُمكّنان الأسر منخفضة الدخل من الانضمام إلى الطبقة الوسطى العالمية.

دور المرأة: تمتلك النساء عالميًا ما يعادل 34% من الفجوة التمويلية البالغة 1.9 تريليون دولار، وهو ما يعكس ثقلهنّ الريادي رغم استبعادهن النسبي من التمويل. في العالم العربي، لا تتجاوز نسبة المنشآت التي تقودها نساء 14% مقابل متوسط عالمي يبلغ 34% (صندوق النقد الدولي)؛ في المقابل، تضاعف عدد المنشآت النسائية في السعودية تقريبًا منذ 2016، لتبلغ نحو 45% من المنشآت المسجَّلة في النصف الأول من 2022.

الشباب: يشكّل الشباب أكثر من ثلث سكان العالم العربي في ظل معدلات بطالة شبابية مرتفعة، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة هي المستوعِب الرئيسي للداخلين الجدد إلى سوق العمل — ففي السعودية وحدها، كانت مسؤولة عن خلق ما يقارب 80% من فرص العمل الجديدة في عام 2021.

الأثر على الدولة

أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 يومًا عالميًا للمنشآت الصغيرة في 27 يونيو (القرار A/RES/71/279)، اعترافًا بإسهامها في أهداف التنمية المستدامة: الهدف الثامن (العمل اللائق والنمو الاقتصادي)، والهدف التاسع (الصناعة والابتكار والبنية التحتية)، والهدف الثاني عشر، إضافة إلى الهدف الأول (القضاء على الفقر).

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن تعزيز الشمول المالي لهذه المنشآت قد يُحسّن فاعلية السياسة الاقتصادية الكلية، بما في ذلك كفاءة تحصيل الضرائب وانتقال أثر السياسة النقدية، وأن سدّ فجوة الشمول المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد يُضيف ما يصل إلى 1% سنويًا إلى معدلات النمو، ويُسهم في خلق نحو 15 مليون فرصة عمل.

بيانات قُطرية: السعودية والإمارات وقطر ودول الخليج

السعودية: نحو 1.31 مليون منشأة (الربع الرابع 2023)، بإسهام يقارب 28.7% من الناتج المحلي (2023). تستهدف رؤية 2030 رفع هذا الإسهام من 20% إلى 35%. برنامج "كفالة" وفّر حتى الآن 26.6 مليار دولار من الضمانات، ودعم 23 ألف منشأة، وساهم في خلق نحو مليون وظيفة. المنشآت النسائية تمثّل نحو 45% من المسجَّل بحلول النصف الأول من 2022.

الإمارات: أكثر من 350 ألف منشأة مسجَّلة، تمثّل أكثر من 94% من إجمالي الشركات وحوالي 86% من العمالة في القطاع الخاص، وتُسهم بنحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي (نحو 64% من الناتج غير النفطي)، مع هدف معلَن لرفع إسهامها في الناتج غير النفطي إلى 60%.

قطر: تمثّل المنشآت الصغيرة والمتوسطة 97% من منشآت القطاع الخاص (بحسب غرفة قطر)، وتُسهم بنحو 15-17% من الناتج غير النفطي. قدَّم بنك قطر للتنمية (QDB) إقراضًا مباشرًا بقيمة 1.5 مليار ريال في 2024 (بزيادة 33%)، وبرنامج "الضمان" يوفّر ضمانات تصل إلى 85% بحدٍّ أقصى 15 مليون ريال. بلغ معدّل ريادة الأعمال المبكرة 14.3% خلال 2023-2024 (بيانات GEM).

دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة: نحو 1.5 مليون منشأة صغيرة ومتوسطة مسجَّلة، لكن الإقراض البنكي الموجَّه لها لا يتجاوز 2% مقارنة بـ27% في دول OECD. التنويع الاقتصادي يبقى ركيزة محورية في رؤى دول الخليج، بينما تُقدَّر فجوة التمويل العربية الإجمالية بنحو 123 مليار دولار (منتدى تمويل المنشآت الصغيرة).

لماذا تستحق هذه المنشآت الاهتمام؟

كشف أحدث تقارير المؤسسة الدولية للتمويل (IFC) ومنتدى تمويل المنشآت الصغيرة (مارس 2025) عن فجوة تمويلية رسمية تبلغ 5.7 تريليون دولار في 119 اقتصادًا ناشئًا — أي ما يعادل نحو 19% من ناتجها المحلي — يُضاف إليها أكثر من 2.1 تريليون دولار من الطلب المحتمل من المنشآت غير الرسمية. ويعاني نحو 43% من المنشآت الصغيرة في الدول النامية من احتياجات تمويلية غير مُلبّاة.

في هذا السياق، أشارت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد (فبراير 2019) إلى أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تمثّل 96% من الشركات المسجَّلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا رغم أن وصولها إلى التمويل هو الأدنى عالميًا، إذ لا يتجاوز الإقراض المصرفي الممنوح لها 7% من إجمالي الإقراض.

بيانات صندوق النقد العربي (AMF، 2021) تضيف تفصيلًا مهمًا: تحتاج المنشآت الصغيرة في المنطقة إلى زيادة محافظ الإقراض الموجَّهة إليها بنسبة 300% لتلبية احتياجاتها الفعلية؛ ورغم أنها تمثّل 80% من الأعمال في المنطقة، فإن واحدة فقط من كل خمس منشآت تحصل على قرض أو خط ائتمان، ولا تتجاوز حصتها من إجمالي التسهيلات الائتمانية 8%.

تُضاف إلى الفجوة التمويلية هشاشة بنيوية حقيقية: نحو 20% من الأعمال الصغيرة تُغلق في سنتها الأولى، ونحو النصف فقط ينجح في الصمود خمس سنوات (منتدى الاقتصاد العالمي، 2026)، إلى جانب ظاهرة "المنشآت المتوسطة الغائبة" وارتفاع نسبة العمل خارج القطاع الرسمي وضيق الاحتياطيات المالية — ما يجعلها أشدّ تعرّضًا للصدمات الخارجية مقارنة بالمؤسسات الكبرى.

ماذا تفعل هذه المنشآت فعليًا؟

تنتشر المنشآت الصغيرة والمتوسطة في جميع القطاعات تقريبًا: في السعودية والإمارات، يتركّز نحو 70% منها في التجارة والإنشاءات، تليها الصناعة التحويلية بنحو 10%، وتمتدّ أنشطتها من الحِرف اليدوية المتخصّصة إلى المنتجات والخدمات المبتكرة عالية القيمة. وظيفيًا، تتولى توريد المواد الخام وتصنيع المكوّنات والمنتجات النهائية وتصديرها، وتقديم خدمات الأعمال الأساسية (النقل، اللوجستيك، التجزئة، الخدمات المهنية)، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية بوصفها موردًا ومستهلكًا في آن واحد، وقيادة التحوّل الأخضر والرقمي كرائدة أو متبنّية مبكرة للتقنيات الجديدة. اقتصاديًا كليًّا، تمثّل هذه المنشآت البيئة الأنشط لديناميكية الدخول والخروج التي تُغذّي نمو الإنتاجية، وهي الوعاء الرئيسي لريادة الأعمال، والممثِّل الأوسع للداخلين الجدد إلى سوق العمل، والقناة الأساسية لتوزيع السلع والخدمات والابتكار على المجتمعات المحلية.

أولويات لتعزيز دور القطاع

بناءً على هذا التحليل، تبرز خمس أولويات لتطوير القطاع وتعزيز إسهامه:

  1. سدّ الفجوة التمويلية (أولوية فورية): توسيع برامج ضمان الائتمان القائمة (كـ"الضمان" في قطر و"كفالة" في السعودية). إذا ارتفع الإقراض المصرفي الموجَّه للقطاع من نحو 2% حاليًا نحو مستوى الـ27% المعتمد في دول OECD، تتحوّل الأولوية تلقائيًا نحو دعم جودة النمو وتوسّعه بدل مجرّد إتاحته.
  2. تحرير التمويل عبر التقنية المالية (أفق 6-18 شهرًا): تعزيز أدوات التمويل الجماعي، والإقراض من نظير إلى نظير، وتمويل الفواتير، والتمويل المدمج، مع تتبّع مؤشر واضح: نسبة المنشآت التي تستخدم تمويلًا رسميًا خارجيًا فعليًا.
  3. الاستهداف الصريح للمنشآت النسائية والشبابية: مع فجوة تصل إلى 14% عربيًا مقابل 34% عالميًا في قيادة النساء للمنشآت، يستحق هذان القطاعان تخصيص طاقة ضمانية واستشارية موجَّهة تحديدًا لهما، بالاستناد إلى التجربة السعودية التي وصلت إلى 45% من المنشآت المسجَّلة بحلول النصف الأول من 2022.
  4. بناء بيئة تشريعية ومؤسسية أكثر نضجًا (مسار هيكلي مستمر): تقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي، تعزيز أنظمة المعلومات الائتمانية، تطوير آليات إنفاذ العقود وأطر الإعسار، وتبسيط إجراءات التسجيل.
  5. تحفيز التحوّل الرقمي ورفع الكفاءات: دعم انتساب المنشآت إلى التجارة الإلكترونية وأدوات الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على التأهيل الرقمي لتضييق فجوة الإنتاجية مقارنة بالمنشآت الكبرى.

تحفّظات منهجية مهمة

أي قراءة جادة لهذه الأرقام تستدعي خمسة تحفّظات:

  • تباين التعريفات: تختلف تعريفات المنشآت الصغيرة والمتوسطة من دولة لأخرى (عدد الموظفين، الإيرادات، أو الأصول)، ما يُعيق المقارنة المباشرة بين الدول، وكثيرًا ما تخلط المصادر الإقليمية بين مصطلحَي MSME وSME وبين البيانات الرسمية وغير الرسمية.
  • تعارض أرقام الناتج المحلي: تتباين أرقام إسهام هذه المنشآت في الناتج بحسب المصدر والسنة والمنهجية — فمثلًا، تتراوح الأرقام الإماراتية بين 53% و64% من الناتج غير النفطي، والسعودية بين 23% و30% تقريبًا. يُستحسن دائمًا تناول هذه الأرقام باعتبارها تقديرات تقريبية لا حقائق مطلقة.
  • الأهداف ليست إنجازات محقَّقة: عدد من الأرقام المتداولة هي أهداف أو توقعات مستقبلية لا وقائع مُحصاة — كهدف رؤية 2030 السعودي برفع الإسهام إلى 35%، وهدف الإمارات إلى 60%، وتقديرات صندوق النقد الدولي بخلق 8 ملايين وظيفة بحلول 2025.
  • الإسناد الدقيق للمؤسسات: الأرقام الأكثر تداولًا ("96% من الشركات"، "40% من الناتج"، "8 ملايين وظيفة") تنتمي لصندوق النقد الدولي ومؤسسة CGAP، لا لصندوق النقد العربي؛ بينما أرقام صندوق النقد العربي الخاصة هي: زيادة 300%، وواحد من كل خمسة، ونحو 8% من الائتمان. هذا التمييز ضروري في أي توثيق دقيق.
  • تباين واسع في معدلات الإخفاق: في الولايات المتحدة، يصمد نحو 50% من المنشآت خمس سنوات، بينما تشير بعض الدراسات الأفريقية إلى معدلات إخفاق تصل إلى 80-90%. يُفضَّل دائمًا تقديم هذه الأرقام كنطاقات لا كأرقام مطلقة قابلة للتعميم.

خلاصة

في الاقتصادات العربية والخليجية، المنشآت الصغيرة والمتوسطة موجودة وضرورية اقتصاديًا واجتماعيًا، لكن وصولها إلى التمويل يبقى الحلقة الأضعف في منظومة دعمها. سدّ هذه الفجوة، بالتوازي مع تحسين جودة القياس الإحصائي وتطوير البيئة المؤسسية، هو ما يحدّد فعليًا سرعة تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي التي تتبنّاها دول المنطقة.

أبرز المصادر المرجعية

مجموعة البنك الدولي · المؤسسة الدولية للتمويل (IFC) · منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) · صندوق النقد الدولي (IMF) · صندوق النقد العربي (AMF) · الأمم المتحدة / برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) · المرصد العالمي لريادة الأعمال (GEM) · المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) · بنك قطر للتنمية (QDB) · الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة "منشآت" (السعودية)

المنشآت الصغيرة والمتوسطةدول الخليجالفجوة التمويليةرؤية 2030

← كل المقالات

النشرة البريدية

أحدث الأبحاث والتحليلات إلى بريدك.