الوسط المفقود أم الوسط المختبئ؟

هل تختفي المنشآت المتوسطة من الاقتصادات العربية فعليًا، أم أن أنظمة البيانات الإحصائية لا تستطيع رصدها؟

صلاح الدين مازن العجلة 4 دقيقة قراءة

المشروع المتوسط لا يعرف أنه غير موجود

هذا السؤال لا يريحني: هل تختفي المنشآت المتوسطة من الاقتصادات العربية فعليًا، أم أن أنظمة بياناتنا الإحصائية لا تستطيع ببساطة رصدها؟ الفارق بين الإجابتين ليس أكاديميًا محضًا؛ فكل مسار منهما يقود إلى أدوات تنموية مختلفة تمامًا، وخطأ التشخيص هنا يكلّف مليارات الدولارات من التمويل التنموي الموجَّه بشكل خاطئ.

لغز السياسة الاقتصادية السائدة

الافتراض السائد يقول إن التمويل يذهب إما للمشاريع المتناهية الصغر أو للشركات الكبرى، وأن الوسط بينهما "فجوة" حقيقية في هيكل الاقتصاد. لكن ماذا لو كان التشخيص نفسه هو المشكلة؟ هذا هو جوهر اللغز: هل الوسط غائب فعلًا، أم أن أدواتنا الإحصائية تكتفي برصد ما يطفو على السطح فقط؟

ما "الوسط المفقود"؟ (النظرية الكلاسيكية)

في أدبيات التنمية الكلاسيكية، تُوصف "المنطقة الوسطى" — من حيث حجم الشركة — بأنها فراغ واسع في توزيع يشبه حرف U مقلوبًا: كثافة عالية جدًا في الشركات الصغيرة جدًا، وكثافة عالية جدًا في الشركات الكبيرة جدًا، وفراغ ملحوظ بينهما. الاستنتاج التقليدي هو أن هذا الوسط غائب بسبب ضعف التمويل، وصغر حجم البنوك، وإعاقات بيئة الأعمال. لكن هذا الاستنتاج يفترض أن الفراغ حقيقي — وهو بالضبط ما تعيد الأدبية الأحدث مساءلته.

الانقلاب التحليلي: من "مفقود" إلى "مختبئ"

إعادة قراءة دراسة Hsieh & Olken (2014) تقلب هذا الاستنتاج التقليدي رأسًا على عقب: نقطة "القطع" التي تختفي عندها الشركات تتطابق بدقة لافتة مع عتبات تنظيمية محدَّدة (حدود ترخيص، تفتيش عمالي، تسجيل ضريبي). الاستنتاج الجديد: الشركات لا تختفي لأنها تفشل في النمو، بل لأنها تتعمّد البقاء صغيرة. البقاء صغيرًا ليس فشلًا هنا، بل استراتيجية بقاء مدروسة.

العتبات التنظيمية كحواجز أمام الظهور

ثلاث عتبات تنظيمية تحديدًا تدفع نحو هذا التهرّب الاستراتيجي: متطلبات الترخيص (تكاليف امتثال تتزايد مع حجم المنشأة)، والتفتيش العمالي (معايير تنظيمية تبدأ عند عدد محدَّد من العمال)، والتسجيل الضريبي (عتبات تفرض أعباءً مالية قاسية بمجرد تجاوزها). النتيجة سلوك استراتيجي واضح: النمو يعني العقاب التنظيمي، فتلجأ المنشأة إلى التسوّي دون العتبة بدل تجاوزها.

المنطقة الرمادية: حدود ورقية لا حقيقية

الحدّ الفاصل بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي ليس حاجزًا فعليًا، بل هو أقرب لخط ورقي تعبره الشركات يوميًا. المنطقة الوسطى غير غائبة، بل هي نشطة وحيوية داخل سلاسل القيمة رغم عملها في هذه المنطقة الرمادية بين الرسمي وغير الرسمي — وهذا بالضبط مكمن الخلل: أن نظرتنا تفترض حدودًا صلبة حيث لا توجد سوى حدود سلوكية متحرّكة.

الواقع الإحصائي في الاقتصادات العربية

يشير البُعد العملي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أن نحو 20% (خُمس) من مبيعات وعمالة الشركات المسجَّلة رسميًا لا يُبلَّغ عنها في الإحصاءات الرسمية. الأمر الجوهري هنا: نحن لا نتحدث عن كيانات عشوائية غير مسجَّلة بالكامل، بل عن كيانات قانونية قائمة فعلًا تُخفي جزءًا كبيرًا من نشاطها عن الأنظمة الرسمية.

عمى الرصد الإحصائي الجزئي

هل تستطيع أدواتنا الحالية — سجلّات التجارة، البيانات الضريبية، المسوحات القطاعية — رصد الشركات وهي تعبر إلى هذه المنطقة الرمادية؟ الإجابة الصادقة أنها تعاني من "عمى جزئي" يمنعها من رصد الشركات وهي تعبر إلى المنطقة الرمادية، ما يُبقيها بعيدة عن شاشة الرادار — وبالتالي بعيدة عن أي استهداف تمويلي دقيق موجَّه إليها.

لماذا يهمّ هذا التمييز؟ مصفوفة التشخيص

يقود كل مسار تشخيصي إلى أدوات مختلفة كليًا: إذا كان الوسط مفقودًا فعلًا (المسار أ)، فالهدف هو خلق شركات من الصفر، والأدوات هي الحاضنات والتمويل التأسيسي وبرامج تحويل المشاريع الصغيرة جدًا إلى متوسطة. أما إذا كان الوسط مختبئًا (المسار ب)، فالهدف هو إظهار الشركات القائمة فعلًا، والأدوات هي إصلاح البيئة التنظيمية، وبناء أدوات إحصائية جديدة، وتصميم تمويل لمن لا يظهر في السجلات. والمسارّان لا يتقاطعان — والخطأ في التشخيص هنا مكلّف جدًا.

فجوة التمويل أم فشل القياس؟

هل نُقرّ بأن مشكلة "الوسط المفقود" في منطقتنا هي في جوهرها مشكلة قياس (فشل في رصد الحجم الفعلي للمشاريع والنشاط غير الرسمي) قبل أن تكون مشكلة تمويل (ندرة موارد أو ضعف الإقراض المصرفي)؟ التمويل الموجَّه لحلّ مشكلة تشخيصها خاطئ هو هدر تنموي حقيقي، مهما بلغت حسن النية وراءه.

الآثار المترتبة على دعم الشركات

الإقرار بأن الوسط "مختبئ" لا "مفقود" يترتّب عليه أربعة آثار: تصميم واقعي للدعم يعترف بمرونة انتقال المنشآت بين الرسمي وغير الرسمي بدلًا من إجبارها على القولبة الفورية؛ التقاط إحصائي أذكى يطوّر مسوحات تتجاوز السجلات الساكنة لرصد النشاط الفعلي في المنطقة الرمادية؛ استهداف مالي مبتكر يصمّم أدوات تمويلية تعتمد على تقييم سلاسل القيمة لا الدفاتر الرسمية فقط؛ وإصلاح تنظيمي يعيد هندسة العتبات الضريبية والعمالية كي لا تُعاقب النمو.

تأمّل استراتيجي: جبل الجليد

هل تستطيع الأنظمة الإحصائية في الدول العربية رصد الشركات في المنطقة الرمادية، أم أن أدواتنا تكتفي برصد ما يطفو على السطح فقط؟ المقاس الرسمي هو قمة جبل الجليد الظاهرة فوق سطح الماء؛ أما الوسط المختبئ في المنطقة الرمادية فهو الكتلة غير المرصودة تحت السطح — وهي، في أغلب الحالات، أكبر بكثير مما تلتقطه الإحصاءات الرسمية.

الخلاصة الختامية

في الاقتصادات العربية، المنشآت المتوسطة موجودة، لكنها تدفع "ضريبة نمو" تدفعها نحو الظل بدل الظهور الكامل. إصلاح العدسة التي نرى بها الاقتصاد يسبق ضخّ الأموال فيه. فهل الوسط غائب فعلًا، أم أن إحصاءاتنا هي الغائبة؟

الوسط المفقوداقتصاديات التنميةالقياس الإحصائيالاقتصاد غير الرسمي

← كل المقالات

النشرة البريدية

أحدث الأبحاث والتحليلات إلى بريدك.